أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
286
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
و « أسارى » حال من الفاعل في « يأتوكم » . وقرأ الجماعة غير حمزة « أسارى » ، وقرأ هو أسرى ، وقرئ « أسارى » بفتح الهمزة . فقراءة الجماعة تحتمل أربعة أوجه ، أحدها : أنه جمع جمع كسلان لما جمعهما من عدم النشاط والتصرّف ، فقالوا : أسير وأسارى بضم الهمزة ككسلان وكسالى وسكران وسكارى ، كما أنه قد شبّه كسلان وسكران به فجمعا جمعه الأصليّ الذي هو على فعلى فقالوا : كسلان وكسلى ، وسكران وسكرى كقولهم : أسير وأسرى . قال سيبويه : « فقالوا في جمع كسلان كسلى شبّهوه بأسرى كما قالوا أسارى شبّهوه بكسالى » ، ووجه الشبه أن الأسر يدخل على المرء كرها ، كما يدخل الكسل ، قال بعضهم : « والدليل على اعتبار هذا المعنى أنّهم جمعوا مريضا وميّتا وهالكا على فعلى فقالوا : مرضى وموتى وهلكى لمّا جمعها المعنى الذي في جرحى وقتلى » . الثاني : أن أسارى جمع أسير ، وقد وجدنا فعيلا يجمع على فعالى قالوا : شيخ قديم وشيوخ قدامي ، وفيه نظر فإن هذا شاذّ لا يقاس عليه . الثالث : أنه جمع أسير أيضا وإنما ضمّوا الهمزة من أسارى وكان أصلها الفتح كنديم وندامى كما ضمّت الكاف والسين من كسالى وسكارى وكان الأصل فيهما الفتح نحو : عطشان وعطاشى . الرابع : أنه جمع أسرى الذي هو جمع أسير فيكون جمع الجمع . وأمّا قراءة حمزة فواضحة ؛ لأن فعلى ينقاس في فعيل بمعنى ممات أو موجع نحو : جريح وجرحى وقتيل وقتلى ومريض ومرضى . وأما « أسارى » بالفتح فلغة ليست بالشاذة ، وقد تقدّم أنها أصل أسارى بالضم عند بعضهم ، ولم يعرف أهل اللغة فرقا بين أسارى وأسرى إلا ما حكاه أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال : « ما كان في الوثاق فهم الأسارى وما كان في اليد فهم الأسرى . ونقل عنه بعضهم الفرق بمعنى آخر فقال : « ما جاء مستأسرا فهم الأسرى ، وما صار في أيديهم فهم الأسارى ، وحكى النقاش عن ثعلب أنّه لما سمع هذا الفرق قال : « هذا كلام المجانين » ، وهي جرأة منه على أبي عمرو ، وحكي عن المبرد أنه يقال : « أسير وأسراء كشهيد وشهداء » . والأسير مشتق من الإسار وهو القيد الذي يربط به المحمل ، فسمّي الأسير أسيرا لشدة وثاقه ، ثم اتّسع فيه فسمّي كلّ مأخوذ بالقهر أسيرا وإن لم يربط . والأسر : الخلق في قوله تعالى وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ ، وأسرة الرجل من يتقوّى بهم ، والأسر احتباس البول ، رجل مأسور إذا أصابه ذلك : وقالت العرب : « أسرقتبه » أي : شدّه . قال الأعشى : 595 - وقيّدني الشّعر في بيته * كما قيّد الآسرات الحمارا « 1 » يريد أنه بلغ في الشعر النهاية حتى صار له كالبيت لا يبرح عنه . قوله : « تفادوهم » قرأ نافع وعاصم والكسائي : « تفادوهم » ، وهو جواب الشرط فلذلك حذفت نون الرفع ، وهل القراءتان بمعنى واحد ، ويكون معنى فاعل مثل معنى فعل المجرد نحو : عاقبت وسافرت ، أو بينهما فرق ؟ خلاف مشهور ، ثم اختلف الناس في ذلك الفرق ما هو ؟ فقيل : معنى فداه أعطى فيه فداء من مال وفاداه أعطى فيه أسيرا مثله وأنشد :
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 89 ) ، اللسان « حمر » .